فصل: الخبر عن ثورة أهل بجاية ونهوض الحاجب إليها في العساكر

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ ابن خلدون المسمى بـ «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» **


  الخبر عن استيلاء السلطان على مراكش

ثم انهزامه أمام الأمير أبي عنان ومهلكه بجبل منتاتة عفا الله عنه لما أجفل السلطان من سجلماسة سنة إحدى وخمسين بين يدي الأمير أبي عنان وعساكر بني مرين وقصد مراكش وركب إليها الأوعار من جبل المصامدة‏.‏ولما شارفها تسارع إليه أهل جهاتها بالطاعة من كل أوب ونسلوا من كل حدب‏.‏ولحق عامل مراكش بالأمير أبي عنان ونزع إلى السلطان صاحب ديوان الجباية أبو المجد محمد بن أبي مدين بما كان في المودع من مال الجباية فاختصه واستكتبه وجعل إليه علامته‏.‏واستركب واستلحق وجبى الأموال وبث العطاء ودخل في طاعته قبائل العرب من جشم وسائر المصامدة وثاب له ملك بمراكش أمل معه أن يستولي على سلطانه ويرتجع فارط أمره من يد مبتزه‏.‏وكان الأمير أبو عنان لما رجع إلى فاس عسكر بساحتها وشرع في العطاء وأزاح العلل وتقبص على كاتب الجباية حمزة بن شعيب بن محمد بن أبي مدين اتهمه بممالأة بني مرين في الإباية عليه عن اللحاق بمراكش من سجلماسة‏.‏وأثار حقده في ذلك ما كان من نزوع عمه أبي المجد إلى السلطان بأموال الجباية‏.‏ووسوس إليه في السعاية به كاتبه وخالصته أبو عبد الله محمد بن محمد بن أبي عمرو لما بينهما من المنافسة فتقبض عليه وامتحنه ثم قطع لسانه وهلك في ذلك الامتحان‏.‏وارتحل الأمير أبو عنان وجموع بني مرين إلى مراكش وبرز السلطان للقائهم ومدافعتهم وانتهى كل واحد من الفريقين إلى وادي أم ربيع وتربص كل واحد بصاحبه إجازة الوادي ثم أجازه السلطان أبو الحسن وأصبحوا جميعاً في التعبية‏.‏والتقى الجمعان بتامدغرست في آخر صفر من سنة إحدى وخمسين فاختل مصاف السلطان وانهزم عسكره ولحق به أبطال بني مرين فرجعوا عنه حياء وهيبة‏.‏ وكبا به فرسه يومئذ في مفره فسقط إلى الأرض والفرسان تحوم حوله‏.‏واعترضهم دونه أبو دينار سليمان بن علي بن أحمد أمير الدواودة ورديف أخيه يعقوب كان هاجر مع السلطان من الجزائر ولم يزل في جملته إلى يومئذ‏.‏ فدافع عنه حتى ركب وسار من ورائه رداءاً له‏.‏وتقبض على حاجبه علال بن محمد فصار في يد الأمير أبي عنان وأودعه السجن إلى أن امتن عليه بعد مهلك أبيه‏.‏ ولخص السلطان إلى جبال هنتاتة ومعه كبيرهم عبد العزيز بن محمد بن علي فنزل عليه وأجاره‏.‏واجتمع إليه الملأ من هنتاتة ومن انضاف إليهم من المصامدة وتدامروا وتعاهدوا على الدفاع عنه وبايعوه على الموت‏.‏ وجاء أبو عنان على أثره حتى احتل بمراكش وأنزل عساكره على جبال هنتاتة ورتب المسالح لحصاره وحربه وطال عليه ثواؤه‏.‏وطلب السلطان من ابنه الإبقاء وبعث في حاجبه محمد بن أبي عمرو فحضر عنده وأحسن العذر عن الأمير أبي عنان‏.‏والتمس له الرضى منه فرضي عنه وكتب له بولاية عهده‏.‏ وأوعز إليه بأن يبعث له مالاً وكسى فسرخ الحاجب ابن أبي عمرو إلى إخراجها من المودع بدار ملكهم‏.‏ واعتل السلطان خلال ذلك فمرضه أولياؤه وخاصته‏.‏وافتصد لإخراج الدم ثم باشر الماء بعضوه للطهارة فورم وهلك لليال قريبة عفا الله عنه لثلاث وعشرين من ربيع الثاني سنة اثنتين وخمسين‏.‏ وبعث أولياؤه بالخبر إلى ابنه بمعسكره من ساحة مراكش ورفعوه على أعواده إليه فتلقاه حافياً حاسراً وقبل أعواده وبكى واسترجع ورضي عن أوليائه وخاصته وأنزلهم بالمحل الذي رضوه من دولته‏.‏ووارى أباه بمراكش إلى أن نقله إلى مقبرة سلفه بشالة في طريقه إلى فاس‏.‏وتلقى أبا دينار بن علي بن أحمد بالقبول والكرامة وأحله من كنفه محل الرحب والسعة وأسنى جوائزه وخلع عليه وحمله‏.‏وأنصرف من فاس إلى قومه يستحثهم للقاء السلطان أبي عنان بتلمسان لما كان أجمع على الحركة إليها بعد مهلك أبيه ورعى لعبد العزيز بن محمد أمير هنتاتة إجارته للسلطان واستماتته دونه فعقد له على قومه وأحله بالمحل الرفيع من دولته ومجلسه واستبلغ في تكريمه‏.‏والله تعالى أعلم‏.‏ولاية السلطان ابي عنان

  الخبر عن حركة السلطان أبي عنان إلى تلمسان

وإيقاعه ببني عبد الواد بأنكاد ومهلك أبي سعيد سلطانهم لما هلك السلطان أبو الحسن وانقضى شأن الحصار وارتحل السلطان أبو عنان إلى فاس ونقل شلو أبيه إلى مقبرتهم بشالة فدفنه مع من هنالك من سلفه وأغذ السير إلى فاس وقد استبد بالأمر وخلت الدولة عن المنازع فاحتل بفاس وأجمع أمره على غزو بني عبد الواد لارتجاع ما بأيديهم من الملك الذي سموا لاستخلاصه‏.‏ولما كان فاتح سنة ثلاث وخمسين نادى بالعطاء وأزاح العلل وعسكر بساحة البلد الجديد واعترض العسكر وارتحل يريد تلمسان‏.‏ واتصل الخبر بأبي سعيد وأخيه فجمعوا قومهم ومن إليهم من الأشياع والأحزاب من زناتة والعرب وارتحلوا إلى لقائه‏.‏ونزل السلطان بمعسكر وادي ملوية وتلوم به أياماً لاعتراض الحشد والعرب‏.‏ثم رحل على التعبية حتى إذا احتل ببسيط أنكاد وتراءى الجمعان انفض سرعان المعسكر ولحقوا بالمغرب‏.‏وركب السلطان في التعبية وخاض بحر القتال وقد أظلم الجو به‏.‏ حتى إذا خلص إليهم من غمرة وخالطهم بصفوفهم ولوا الأدبار ومنحوهم الأكتاف‏.‏ واتبع بنو مرين آثارهم فاستولوا على معسكرهم واستباحوه‏.‏واستلحموهم قتلاً وسبياً وصفدوهم أسارى وغشيهم الليل وهم متسايلون في آثارهم وتقبض على أبي سعيد سلطانهم فسيق إلى السلطان وأمر باعتماله وأطلق أيدي بني مرين من الغذ على حلل العرب من المعقل فاستباحوهم واكتسحوا أموالهم جزاء بما شرهوا إليه من النهب بالمحلة في هيعة ذلك المجال ثم ارتحل به على تعبية إلى تلمسان فاحتل بها لربيع من سنته واستوت في ملكها قدمه‏.‏وأحضر أبا سعيد فقرعه ووبخه وأراه أعماله حسرة عليه وأحضر الفقهاء وأرباب الفتيا فأفتو بحرابته وقتله‏.‏وأمضى حكم الله فيه فذبح بمحبسه لتاسعة من اعتقاله مثلاً للآخرين‏.‏وخلص أخوه الزعيم أبو ثابت إلى قاصية الشرق فكان من خبره ما نذكره إن شاء الله تعالى والله أعلم‏.‏

  الخبر عن شأن أبي ثابت وإيقاع بني مرين به بوادي شلف

وتقبض الموحدين عليه ببجاية لما أوقع السلطان ببني عبد الواد بأنكاد وتقبض على أبي سعيد سلطانهم خلص أبو ثابت أخوه في فل منهم‏.‏ ومر بتلمسان فاحتمل حرمهم ومخلفهم‏.‏وأجفل إلى الشرق فاحتل بشلف من بلاد مغراوة‏.‏ وعسكر هناك واجتمع إليه أوشاب من زناتة‏.‏وحدث نفسه باللقاء ووعدها بالصبر والثبات‏.‏ وسرح السلطان وزيره فارس بن ميمون بن ودرار في عساكر بني مرين والجند فأغذ السير إليهم وارتحل من تلمسان على أثره‏.‏ولما تراءى الجمعان صدق الفريقان المجاولة وخاضوا النهر بالقراع‏.‏ ثم صدق بنو مرين الحملة وأجازوا النهر إليهم فانكشفوا واتبعوا آثارهم فاستلحموهم واستباحوا معسكرهم واستاقوا أموالهم ودوابهم ونساءهم وارتحلوا في أتباعهم‏.‏وكتب الوزير بالفتح إلى السلطان‏.‏ومر أبو ثابت بالجزائر طارقاً وأجاز إلى قاصية الشرق فاعترضتهم قبائل زواوة وأرجلوهم عن خيلهم وانتهبوا أسلابهم ومروا حفاة عراة‏.‏ واحتل الوزير بالجزائر فاستولى عليها‏.‏واقتضى بيعة السلطان منهم فأتوها‏.‏واحتل السلطان بالمدية وأوعز إلى أمير بجاية المولى أبي عبد الله محمد حافد مولانا الأمير أبي يحيى مع وليه ونزمار وخالصته يعقوب بن علي بالقبض على أبي ثابت وأشياعه فأذكوا العيون عليهم وقعدوا لهم بالمرصاد‏.‏وعثر بعض الجشم على أبي ثابت وأبي زيان ابن أخيه أبي سعيد ووزيرهم يحيى بن داود فرفعوهم إلى الأمير ببجاية فاعتقلهم‏.‏وارتحل إلى لقاء السلطان بالمدية وبعث بهم مع مقدمته وجاء على أثرهم ونزل على السلطان بمعسكره من المدية خير نزل بعد أن تلقاه بالمبرة والاحتفاء وركب إلى لقائه‏.‏ ونزل عن فرسه للسلطان فنزل السلطان براً به وأودع أبا ثابت السجن‏.‏وتوافت إليه وفود الدواودة بمكانه من المدية فأكرم وفدهم وأسنى أعطياتهم من الخلع والحملان والذهب وانقلبوا خير منقلب‏.‏ ووافته بمكانه ذلك بيعة ابن مزني عامل الزاب ووفدهم فأكرمهم ووصلهم‏.‏وفرغ السلطان من شأن المغرب الأوسط وبث العمال في نواحيه وثقف أطرافه وسما إلى ملك إفريقية كما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

  الخبر عن تملك السلطان أبي عنان بجلية وانتقال صاحبها إلى المغرب

لما وصل المولى أبو عبد الله محمد ابن الأمير أبي زكرياء يحيى صاحب بجاية إلى السلطان بمكانه من المدية في شعبان من سنته وأقبل السلطان عليه وبوأه كنف ترحيبه وكرامته خلص الأمير به نجياً وشكى إليه ما تلقاه من أهل عمله من الامتناع الجباية والسعي في الفساد وما يتبع ذلك من زبون الحامية واستبداد البطانة‏.‏وكان السلطان متشوقاً لمثلها فأشار عليه بالنزول عنها يعوضه عنها ما شاء من بلاده فسارع إلى قبول إشارته ودس إليه مع حاجبه محمد بن أبي عمرو أن يستبد بذلك على رؤوس الملأ ففعل ونقم عليه بطانته ذلك وفر بعضهم من معسكره فلحق بإفريقية ومنهم علي بن القائد محمد بن الحكم‏.‏وأمره السلطان أن يكتب بخطه إلى عامله على البلد بالنزول عنها وتمكين عمال السلطان منها ففعل‏.‏ وعقد السلطان عليها لعمر بن علي الوطاسي من أولاد الوزير الذين ذكرنا خبر انتزائهم بتازوطا من قبل‏.‏ولما قضى السلطان حاجاته من المغرب الأوسط واستولى على بجاية انكفأ راجعاً إلى تلمسان لشهود الفطر بها ودخلها في يوم مشهود‏.‏وحمل أبا ثابت ووزيره يحيى بن داود على جملين يخطران بهما في ذلك المحفل بين السماطين فكانا عبرة لمن حضر‏.‏وسيقا من الغد إلى مصارعهما فقتلا قعصاً بالرماح‏.‏وأنزل السلطان المولى الأمير أبا عبد الله صاحب بجاية خير نزل وفرض له في مجلسه تكرمة به إلى أن كان من توثب صنهاجة وأهل بجاية بعمر بن علي ما نحن ذاكروه إن شاء الله

  الخبر عن ثورة أهل بجاية ونهوض الحاجب إليها في العساكر

كان صنهاجة هؤلاء من أعقاب تكلاتة ملوك القلعة وبجاية نزل أولوهم بوادي بجاية بين القبائل من برابرتها الكتاميين في مواطن بني ورياكل مذ أول دولة الموحدين وأقطعوهم على العسكر معهم‏.‏ولما ضعفت جنود الموحدين وقل عددهم انفردوا بالعسكرة مع السلطان وصار لهم بذلك اعتزاز وزبون على الدولة‏.‏وكان المولى الأمير أبو عبد الله هذا قد أصاب منهم لأول أمره وقتل محمد بن تميم من أكابر مشيختهم‏.‏وكان حاجبه فارح مولى ابن سيد الناس عريفاً عليهم من عهد أبيه الأمير أبي زكرياء وكان مستبداً على المولى أبي عبد الله‏.‏فلما نزل عن أمارته للسلطان أبي عنان سخط ذلك ونقمه عليه وأسرها في نفسه ولم يبدها له‏.‏وسرحه أميره مع عمر بن علي الوطاسي لنقل حرمه ومتاعه وماعون داره فوصل إليها‏.‏وشكى إليه الصنهاجيون مغبة أمرهم في ثقل الوطأة وسوء الملكة فأشكاهم ودعاهم إلى الثورة ببني مرين والقيام بدعوة الموحدين للمولى أبي زيد صاحب قسنطينة فأجابوه وتواعدوا للفتك بعمر بن علي بمجلسه من القصبة‏.‏وتولى كبرها منصور بن الحاج من مشيختهم وباكره بداره على عادة الأمراء ولما أكب عليه للثم أطرافه طعنه بخنجره وفر إلى بيته جريحاً فولجوا عليه واستلحموه‏.‏وركب الحاجب فارح وهتف الهاتف بدعوة المولى أبي زيد وطيروا بالخبر إليه واستدعوه فتثاقل عن إجابتهم‏.‏ وبعث مولى من المعلوجي للقيام بأمره‏.‏ وبلغ الخبرإلى السلطان فاتهم المولى أبا عبد الله بمداخلة حاجبه فاعتقله بداره‏.‏واعتقل وفداً من ملأ بجاية كان ببابه وثابت آراء المشيخة من أهل بجاية وتمشت رجالاتهم وأولوا الرأي والشورى منهم في الفتك بصنهاجة والعلج وداخلهم القائد هلال ابن سيد الناس من المعلوجي وعلي بن محمد بن الميت حاجب الأمير أبي زكرياء يحيى ومحمد بن الحاجب أبي عبد الله بن سيد الناس وتواعدوا الفتك بفارح يوم وصول النائب من قبل صاحب قسنطينة فجهروا بالنكر على الحاجب ودعوه إلى المسجد ليؤامروه‏.‏ ونذر أمرهم فاعتمدوا دار شيخ الفتيا أحمد بن إدريس‏.‏واقتحموا عليه الدار وباشره مولاه محمد بن سيد الناس فطعنه وأشواه ورمى بشلوه في سقف الدار وقطع رأسه وبعث به إلى السلطان‏.‏وفر منصور بن الحاج وقومه صنهاجة من البلد وكان بالمرسى أحمد بن سعيد القرموني من حاشية السلطان جاء في السفين لبعض حاجاته من تونس ووافى مرسى بجاية يومئذ فأنزلوه واعصوصبوا عليه وتنادوا بدعوة السلطان وطاعته‏.‏وأشار عليهم أحمد القرموني أن يبعثوا إلى قائد تدلس من مشيخة بني مرين يحياتن بن عمر بن عبد المؤمن الونكاسي فاستدعوه ووصل إليهم في لمة من العسكر وبعثوا بأخبارهم إلى السلطان وانتظروا‏.‏فلما بلغ الخبرإلى السلطان أمر حاجبه محمد بن أبي عمرو بالنهوض إلى بجاية فعسكر بساحة تلمسان‏.‏وانتقى له السلطان من قومه وجنوده خمسة آلاف فارس أزاح عللهم واستوفى أعطياتهم‏.‏وسرحه فنهض من تلمسان بعد قضاء منسك الأضحى وأغذ السير إلى بجاية‏.‏ولما نزل ببني حسن جمع له صنهاجة ثم خاموا عن اللقاء ولحقوا بقسنطينة وأجازوا منها إلى تونس‏.‏واختل الحاجب بمعسكرهم من خميس بتكلات‏.‏ وخرج إليه المشيخة والوزراء‏.‏فتقبض على القائد هلال وأشخصه إلى السلطان ودخل البلد في التعبية واحتل بقصبتها لمحرم فاتح أربع وخمسين‏.‏ وسكن الناس وخلع على المشيخة واختص علي بن الميت ومحمد بن صيد الناس واستظهر بهم على أمره‏.‏وتقبض على جماعة من الغوغاء نقباء علي من تحت أيديهم ممن يتهم بالمداخلة في التوثب يناهزون مايتين واعتقلهم وأركبهم السفين إلى المغرب فودع الناس وسكنوا‏.‏ وتوافت وفود المواودة من كل جهة وأجزل صلاتهم واقتضى على الطاعة رهنهم‏.‏ووصل عامل الزاب يوسف وسد فروجه وارتحل إلى تلمسان أول جمادى لشهرين من مدخله‏.‏وأغذ السير بمن معه من العرب والوفود وكنت يومئذ في جملتهم وقد خلع علي وحملني وأجزل صلتي‏.‏ وضرب لي الفساطيط فوفدت في ركابه‏.‏وقدم تلمسان لأول جمادى الآخرة فجلس السلطان للوفد واعترض ما جنب له من الجياد والهدية وكان يوماً مشهوداً‏.‏ ثم أسنى السلطان جوائز الوفد واختص يوسف بن مزني ويعقوب بن علي بمزيد من البر والصلة وخصوصيات من الكرامة وائتمرهم في شأن إفريقية ومنازلة قسنطينة‏.‏ ورجع معهم الحاجب ابن أبي عمرو على كره منه لما نذكره من أخباره وانصرفوا إلى مواطنهم لأول شعبان من سنة أربع وخمسين‏.‏وانقلبت معه بعد إسناء الجائزة والخلع والحملان من السلطان والوعد الجميل بتجديد ما لي ولقومي ببلدنا من الإقطاع والله أعلم‏.‏

  الخبر عن الحاجب ابن أبي عمرو

وما عقد له السلطان علي ثغر بجاية وعلي منازلة قسنطينة ونهوضه لذلك سلف هذا الرجل من أهل المهدية من أجناد العرب من بني تميم بإفريقية وانتقل جده علي إلى تونس باستدعاء السلطان المستنصر وكان فقيهاً عارفاً بالفتيا والأحكام فقلده القضاء بالحضرة‏.‏واستعمله على كتابة علامته في الرسائل والأوامر الكبرى والصغرى فاضطلع بذلك وهلك على حاله من التجلة والمنصب وقلد ابنه عبد الله من بعده العلامتين أيام أبي حفص عمر ابن الأمير أبي زكرياء لما كان لأبيه فاضطلع بذلك وكان أخوه أحمد بن علي مسمتاً وقوراً منتحلاً للعلم‏.‏ونشأ ابنه محمد وقرأ بتونس وتفقه على مشيختها‏.‏ولما التاثت أمورهم وتلاشت أحوالهم خرج محمد بن أحمد بن علي مبتغياً للرزق والمعاش فطوحت به الطوائح إلى بلد القل‏.‏وكان منتحلاً للطلب والكتابة فاستعمل شاهداً بمرسى القل أيام رياسة الحاجب أبن غمر وكانت له صحبة مع حسن بن محمد السبتي المنتحل نسب الشرف‏.‏وكانا رفيقين في0 مطارح اغترابهما فسعى له في مرافقته في الشهادة فأسعف واتصلا بابن غمر فحمد مذاهبهما‏.‏ولما نزع الشريف عبد الوهاب زعيم تدلس إلى طاعة الموحدين أيام التياث أبي حمو بخروج محمد بن يوسف عليه واعتلال الدولة ودخل في أمر ابن غمر وجملته فبعث محمد بن أبي عمرو إلى تدلس واستعمل حسن الشريف في القضاء ومحمد بن عمرو في شهادة الديوان‏.‏فلما برئت الدولة من مرضها واستفحل أمر أبي حمو وتغلب على تدلس وجاء رئيس الفتيا ابن الإمام لاقتضاء طاعتها وإنفاد أهلها على السلطان كانوا في الوفد‏.‏واستقروا بتلمسان من يومئذ واستعملا معا في خطة القضاء متعاقبين أيام بني عبد الواد وأيام السلطان أبي الحسن‏.‏ وتعصب على ابن أبي عمرو أيام قضائه جماعة من مشيخة البلد وسعوا به إلى السلطان أبي الحسن‏.‏وتظلموا فأشكاهم على علم من براءته واختصه بتأديب ولده فارس هذا وتعليمه فأفرغ وسعه في ذلك‏.‏وربي ولده محمد هذا الحاجب مع السلطان أبي عنان مرقاً جليلاً وألقى عليه محبته حتى إذا أخلص له الملك رفع رتبة محمد بن أبي عمرو هذا ورقاه من منزلة إلى أخرى حتى إذا أوفى به على سائر المراتب وجعل إليه العلامة والقيادة والحجابة والسفارة وديوان الجند والحساب والقهرمة وسائر ألقاب دولته وخصوصيات داره فانصرفت إليه الوجوه ووقعت ببابه أشراف من الأعياص والقبائل والشرفاء والعلماء‏.‏وسرب إليه العمال أموال الجباية تزلقاً وطال أمره واستيلاؤه على السلطان ونفس عيه رجال الدولة ووزراؤها ما أتاه الله من الحظ حتى إذا خلا لهم وجه السلطان منه عند نهوضه إلى بجاية حامت أعراض السعاية على مكانه فقرطست وألقى السلطان أذنه لاستماعها‏.‏فلما رجع من بجاية وكانت له الدالة على السلطان وجد عليه في قبول الألاقي‏.‏ولقيه مغاضباً فتنكر له السلطان ثم تجنى فطلب الغيبة عن الدولة وأن يعقد له على بجاية متوهماً أن السلطان ضنين به فبادر السلطان إلى إسعافه وبدا له ما يحتسب من الإعراض عنه‏.‏ورجع إلى الرغبة في الإقالة فلم يسعف‏.‏وعقد له على حرب قسنطينة وحكمه في المال والجيش وارتحل في شعبان من سنة أربع وخمسين واحتل بجاية آخرها وأشتى بها‏.‏ونصب الموحدون تاشفين ابن السلطان أبي الحسن المعتقل عندهم من لدن عهد المولى الفضل واعتقاله إياه فنصبوه للأمر لتفريق كلمة بني مرين وأجمعوا له الآلة والفساطيط وقام بأمره ميمون بن علي لمنافسة مع أخيه يعقوب‏.‏وسمع بخبره يعقوب فأغد السير إليه بحلله من بلاد الزاب وفرق جمعهم وردهم على أعقابهم وأحجزهم بالبلد ولما انصرم الشتاء وقضى منسك الأضحى عسكر بساحة البلد واعترض العساكر وأزاح عللهم وفرق أعطياتهم وارتحل إلى منازلة قسنطينة‏.‏واجتمع إليه الدواودة بحللهم وجمع المولى أبو زيد صاحب قسنطينة من كان على دعوته من أحياء بونة وميمون بن علي بن أحمد وشيعته من الدواودة وعقد عليهم لحاجبه نبيل وسرحه للقاء ابن أبي عمرو وعساكره فأوقع بهم الحاجب لجمادى من سنة خمس واكتسح أموالهم‏.‏ونازل قسنطينة حتى تفادوا منه بتمكينه من تاشفين ابن السلطان أبي الحسن المنصوب للأمر فاقتادوه إليه وأشخصه إلى أخيه السلطان‏.‏وأوفد المولى أبو زيد ابنه على السلطان أبي عنان فتقبل وفادته وشكر مراجعته وانكفأ الحاجب ابن أبي عمرو إلى بجاية وأقام بها إلى أن هلك في المحرم فاتح سنة ست وستين فذهب حميد السيرة عند أهل البلد وتفجعوا لمهلكه‏.‏وبعث السلطان دوابه لارتحال عياله وولده ونقل شلوه إلى مقبرة أبيه بتلمسان‏.‏وسرح ابنه أبا زيان في عسكر بني مرين لمواراته بها‏.‏وعقد على بجاية لعبد الله بن علي بن سعيد وزيره فنهض إليها في شهر ربيع من سنة ست وخمسين واستقر بها‏.‏ وتقبل ما حمده الناس من مذاهب الحاجب وسيره فيها على ما نذكره‏.‏وجهز العساكر إلى حصار قسنطينة إلى أن كان من فتحها ما نذكره بعد إن شاء الله تعالى‏.‏

  الخبر عن خروج أبي الفضل ابن السلطان بجبل السكسيوي

ومكر عامل درعة به ومهلكه كان السلطان أبو عنان بعد مهلك أبيه لحق به في جملته أخواه أبو الفضل محمد وأبو سالم إبراهيم وتدبر في ترشيحهما وحذر عليهما مغبته فأشخصهما إلى الأندلس واستقرا بها في إيالة أبي الحجاج ابن السلطان أبي الوليد ابن الرئيس أبي سعيد ثم ندم على ما أتاه من ذلك فلما استولى علي تلمسان والمغرب الأوسط ورأى أن قد استفحل أمره واعتز سلطانه أوعز إلى أبي الحجاج أن يشخصهما إليه ليكون مقامهما لديه أحوط على الكلمة من أن يعتمد على تفريقهما سماسرة الفتن‏.‏وخشي أبو الحجاج عليهما غائلته فأبى من إسلامهما إليه وأجاب الرسل بأنه لا يخفر ذمته وجوار المسلمين المجاهدين فأحفظ السلطان كلمته‏.‏وأوعز إلى حاجبه محمد بن أبي عمرو بأن يخاطبه في ذلك بالتوبيخ واللائمة فكتب له كتاباً أبدع فيه وقفني عليه الحاجب ببجاية أيام كوني معه فقضيت العجب من فصوله وأغراضه‏.‏ولما قرأه أبو الحجاج دس إلى كبيرهما أبي الفضل باللحاق بالطاغية وكانت بينهما ولاية ومخالصة منذ مهلك أبيه ألهنشة على جبل الفتح سنة إحدى وخمسين فنزع إليه أبو الفضل وأجاره وجهز له أسطولاً إلى مراسي المغرب‏.‏ وأنزله بساحل السوس فلحق بالسكسيوي عبد الله ودعا لنفسه‏.‏وبلغ الخبرإلى السلطان بين يدي مقدم حاجبه ابن أبي عمرو من فتح بجاية سنة أربع وخمسين فجهز عساكره إلى المغرب‏.‏ وعقد على حرب السكسيوي لوزيره فارس بن ميمون بن ودرار وسرحه إليه فنهض من تلمسان لربيع من سنة أربع وخمسين‏.‏وأغذ السير إلى السكسيوي ونزل بمخنقه وأحاط به واختط مدينة لمعسكره وتجهيز كتائبه بسفح جبلة وسماها القاهرة‏.‏ واشتد الحصار على السكسيوي وراسل الوزير في الرجوع إلى الطاعة المعروفة وأن ينتبذ العهد إلى أبي الفضل ففارقه وتنقل في جبال المصامدة‏.‏ودخل الوزير فارس إلى أرض السوس فدوخ أقطاره ومهد أنحاءه وسارت الألوية والجيوش في جهاته‏.‏ ورتب المسالح في ثغوره وأمصاره مثل إيفري وفوريان وتارودانت وثقف أطرافه وسد فروجه‏.‏وسار أبو الفضل في جبال المصامدة إلى أن انتهى إلى صناكة وألقى بنفسه على ابن حميدي منهم مما يلي بلاد درعة فأجاره وقام بأمره‏.‏ونازله عامل درعة يومئذ عبد الله بن مسل الزردالي من مشيخة دولة بني عبد الواد كان اصطنعه السلطان أبو الحسن منذ تغلبه عليهم وفتحه لتلمسان سنة سبع وثلاثين فاستقر في دولتهم ومن جملة صنائعهم فأخذ بمخنق ابن حميدي وأرهبه بوصول العساكر والوزراء إليه وداخله في التقبض على أبي الفضل وأن يبذل له في ذلك ما أحب من المال فأجاب ولاطف عبد الله بن مسلم الأمير أبا الفضل ووعده من نفسه الدخول في أمره‏.‏ وطلب لقاه فركب إليه أبو الفضل‏.‏ولما استمكن منه عبد الله بن مسلم تقبض عليه ودفع لابن حميدي ما اشترط له من المال وأشخصه معتقلاً إلى أخيه السلطان أبي عنان سنة خمس وخمسين فأودعه السجن وكتب بالفتح إلى القاصية‏.‏ ثم قتله لليال من اعتقاله خنقاً بمحبسه‏.‏وانقضى أمر الخوارج وتمهدت الدولة إلى أن كان مما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

  الخبر عن انتقاض عيسى بن الحسن بجبل الفتح ومهلكه

كان عيسى بن الحسن بن علي بن أبي الطلاق هذا من مشيخة بني مرين وكان صاحب شوراهم لعهده‏.‏ وقد كنا قصصنا من قبل أخبار أبيه الحسن عند ذكر دولة أبي الربيع‏.‏وكان السلطان أبو الحسن قد عقد له على ثغور عمله بالأندلس وأنزله بجبل الفتح عندما أكمل بناه وجعل إليه النظر في مسالح الثغور وتفريق العطاء على مسالحها فطال عهد ولايته ورسخ فيها قدمه‏.‏ وكان السلطان أبو الحسن يبعث عنه في الشورى متى عنت‏.‏وحضره عند سفره إلى إفريقية وأشار عليه بالإقصار عنها وأراه أن قبائل بني مرين لا تفي أعدادهم بمسالح الثغور إذا رتبت شرقاً وغرباً وعدوة البحر وأن إفريقية تحتاج من ذلك إلى أوفر الأعداد وأشد الشوكة لتغلب العرب عليها وبعد عهدهم بالانقياد فأعرض السلطان عن نصيحته لما كان شره إلى تملكها وصرفه إلى مكان عمله بالثغور الأندلسية‏.‏ولما كانت نكبة القيروان وانتزى الأبناء بفاس وتلمسان أجاز البحر لحسم الداء ونزل بغساسة‏.‏ثم انتقل إلى وطنه بتازى وجمع قومه بني عسكر‏.‏وألفى السلطان أبا عنان قد هزم عساكر ابن أخيه وأخذ بمخنقه فأجلب عليه وبيته بمعسكر من ساحة البلد الجديد‏.‏وعقد السلطان أبو عنان على حربه لصنيعه سعيد بن موسى العجيسي وأنزله بثغر بلاد بني عسكر على واد بوحلو‏.‏وتواقفا كذلك أياماً حتى تغلب السلطان أبو عنان على البلد الجديد‏.‏ثم راسل عيسى بن الحسن في الرجوع إلى طاعته‏.‏وأبطأ عنه صريخ السلطان أبي الحسن بإفريقية فراجعه واشترط عليه فتقبل وسار إليه فتلقاه السلطان وامتلأ سروراً بمقدمه‏.‏ وأنزله قصوره وجعل الشورى إليه في مجلسه واستمرت على ذلك حاله‏.‏ولما تمكنت حال ابن أبي عمرو بعد مهلك السلطان أبي الحسن وانفرد بخلة السلطان ومناجاته وحجب عن الخاصة والبطانة أحفظه ذلك ولم يبدها‏.‏واستأذن السلطان في الحج فأذن له وقضى فرضه ورجع إلى محله من بساط السلطان سنة ست وخمسين‏.‏ولقي ابن أبي عمرو ببجاية وتطارح عليه في أن يصلح حاله عند سلطانه فوعده في ذلك‏.‏ولما وفد على السلطان وجده قد استبد في الشورى وتنكر للخاصة والجلساء فاستأذنه في الرجوع إلى مجلسه من الثغر لإقامة رسم الجهاد فأذن له‏.‏وأجاز البحر إلى جبل الفتح من سنته وكان صاحب ديوان العطاء بالجبل يحيى الفرقاجي وكان مستظهراً على العمال وكان ابنه أبو يحيى قد برم بمكانه‏.‏فلما وصل عيسى إلى الجبل اتبعه السلطان بأعطيات المسالح مع مسعود بن كندوز من صنائع دولته فسرب الفرقاجي إلى الضرب على يده شأنه مع ابنه أيام مغيبه وأنف عيسى من ذلك فتقبض عليه وأودعه المطبق ورد ابن كندوز على عقبيه وأركبه السفين من ليلته إلى سبتة وجاهر بالخلعان‏.‏ وبلغ الخبرإلى السلطان أبي عنان فقلق لذلك وقام في ركائبه وقعد وأوعز بتجهيز الأساطيل وظن أنه تدبير من الطاغية وابن الأحمر‏.‏وبعث أحمد بن الخطيب قائد البحر بطنجة عيناً على شأنهم فوصل إلى مرسى الجبل‏.‏وكان عيسى بن الحسن لما جاهر بالخلعان تمشت رجالات الثغر وعرفاء الرجل من غمارة الغزاة الموطنين بالجبل وتحدثوا في شأنه وامتنعوا من الخروج على السلطان وتوامروا في إسلامه برمته‏.‏وخلا به سليمان بن داود بن أعراب العسكري كان من خواصه وأهل شوراه‏.‏وكان عيسى قد مكن قدمه عند السلطان واستعمله على رندة‏.‏فلما جاهر عيسى بالخلعان وركب له ظهر الغدر خالفه سليمان هذا إلى طاعة السلطان وأنفذ كتبه وطاعته‏.‏ واشتبه عليه الأمر فندم إذ لم يكن بنى أمره على أساس من الرأي‏.‏فلما احتل أسطول أحمد بن الخطيب بمرسى الجبل خرج إليه وناشده الله والعهد أن يبلغ السلطان طاعته والبراءة مما صنع أهل الجبل ونسبها إليهم‏.‏ فعند ذلك خشي غمارة على أنفسهم فثاروا به‏.‏ ولجأ إلى الحصن فاقتحموه عليه وشدوه وابنه وثاقاً وألقوه في أسطول ابن الخطيب‏.‏ وأنزله بسبتة وطير إلى السلطان بالخبر فخلع عليه وأمر خاصته فخلعوا عليه‏.‏وبعث عمر ابن وزيره عبد الله بن علي وعمر بن العجوز وقائد جند النصارى فأحضروهما بدار السلطان يوم منى من سنة ست‏.‏وجلس لهما السلطان ووقفا بين يديه وتنصلاً واعتذراً فلم يقبل منهما وأودعهما السجن وشد وثاقهما حتى مضى منسك الأضحى‏.‏ ولما كان خاتم سنته أمر بهما فجنبا إلى مصارعهما وقتل عيسى قعصاً بالرماح وقطع ابنه أبو يحيى من خلاف وأبى من مداواة قطعه فلم يزل يتشحط في دمه إلى أن هلك لثانية قطعه وأصبحا مثلاً في الآخرين‏.‏وعقد على جبل الفتح وسائر ثغور الأندلس لسليمان بن داود إلى أن كان من الأمر ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏